كارفات ودبوس وقزازة ريحه

يونيو 13, 2010 § أضف تعليق


لم تفتح عيناي عند صحوي من النوم، بينما أحاول تلمس خطاي ارتطمت إحدى قدماي بالمقعد، اقصى انزعاج يمكن ان يحدث لإنسان مثلي، وها هي عيناي ترغم على يومها، توجهت لمرآتي لأتفقد ما إذا كانت ذقني تحتاج للتهذيب ام لا، وجدتها كذلك، شرعت في الحلاقة لأخدش نفسي وتنفلت قطرة من دمي تأذت بها مشاعري.

دخلت في بدلتي الجديدة بالطبع فلا يليق أن اظهر من خلال الكاميرا بنفس الملابس مرتين، وها هو دبوس قميصي أعدله في تباهي بأناقته، يبقى وابل البخار المحمل بعطر بالغ النشوة انشره ليحتويني.

مذيع أخبار بالتليفزيون وأحب الايس كريم، قبل أن اركب سيارتي كل يوم اشتري من البائع بعمارتنا واحدة آخذ في تذوقها بلساني متلذذاً كالأطفال، عشت حياتي مدللاً، حتى وظيفتي هذه بطبيعة الحال لم ابذل أي جهد يذكر للحصول عليها، فقط مهاراتي هي ما جعلتني استمر بعد فرصة الوساطة للالتحاق بطابور استلام المرتب.

أحمر كان لون الايس كريم، أحمر بطعم الفراولة، ليس فقط ايس كريم عادي، بل مقطعة هي الفراولة بين طياته، ما ألذها، يااااااااام وما أحلى أن تشتم رائحة البرودة بين جنبات أنفك، وتطول جبهتك منها نصيب في هذا الجو الحار المشمس، بلدنا صعبة شمسها وزحامها، وشعبها أيضا, طالما تمنيت أن أعيش في هذا البلد الجميل وحدي، تكييف في الأماكن التي أحب التواجد فيها فقط، وطريقا ممهدا يتسع لي وحدي فقط، ولا إزعاج من أحد، أخذني حلمي وتلذذي بالأيس كريم عن الطريق وأهله، كدت أن أدهس واحداً منهم، كبست الفرامل بسرعة فارتطمت بجالون الأيس كريم الكبير لأصبح كمن أنقلب في حادث مروع من أثر اللون الأحمر على ملابسي وقميصي الأبيض.

يا له من يوم….. أودعت عربتي بالجراج، ودخلت من باب التليفزيون، محمد بالاستقبال محدثا إياي: سلامتك يا أستاذ سمير ايه الدم اللي على هدومك ده أنت عملت حادثه ولا ايه.

أنا: لا ده أيس كريم اندلق عليه.

ركبت المصعد وجه لي التحيه العامل وسألني : ايه الدم ده يا استاذ سمير؟

أنا : لا ده أيس كريم اندلق عليه.

خرجت من المصعد ليكاد يصتدم بي عم فتحي بتاع البوفيه: الحمد لله مدلقتش القهوه عليك يا سمير بيه… بس ايه الدم اللي على هدومك ده؟

أنا: همممممم.. ده أصله أيس كريم.

دلفت إلى غرفة التحرير لأتفقد الأخبار اليومية، السيد الرئيس قام ببعض المهام ما هو معتاد عليها من إنجازات تحدث يوميا منذ 29 عاما بثبات نادر الوجود، فلم يكن نيوتن بهذه القدرة على ما أذكر، فقلد كان إنسان مضيعا وقته بين أشجار التفاح ليراقب سقوط التفاح على رأسه.

ثم تأتي الأخبار العالمية المتعلقة بدور مصر الريادي في المنطقة وأنها برغم كل الصعوبات التي يواجهها العالم صامدة ليس فقط بل وتتقدم بشكل ملفت لا أعلم من حقا يلتفت لذلك؟!؟

وها هم بعض زملائي يتقمصون ادوار المعارضة وكأنهم يتكلمون بلسان حال المواطن!! يلا ربنا على الـــ  بقا اللي في القلب فالقلب.

فاجأني المخرج يستعجل دوري في المسرحية…. احم . البرنامج الصباحي.

المخرج: ها .. جاهز؟

أنا : ايوه.

المخرج: طيب يلا عشان هاتدخل بعد الراجل اللي قاعد يرغي جوه ده، انا عارف بيجيبولنا البلاوي دي منين..

أنا: حاضر أنا لسه كنت براجع الأخبار أهو.

المخرج ملتفتاً إلي : يلا ربنا يوفقك ….. ايه ده… ايه الدم اللي على هدومك ده؟

أنا : اه .. لا ده جلاتي.

المخرج: طب غيرلي بقا بسرعه وعلى الهوا جري..

أنا: بس أنا لسه مخلصتش مراجعه!

المخرج: اللي ذاكر ذاكر يا أستاذ .. ابقى راجع على الهوا بقا.

شرعت بتغيير ملابسي متمتما بداخلي طبعاً، أعملي بقا فيها مخرج، إحنا اللي طالع عنينا وهو مأنتخ بيشرب نسكافيه ورا الكاميرا، روح يا شيخ ربنا يـــ ……..

دخلت الاستديو مسرعا متلعثما في أوراقي، وبدأت القراءة في هدوء غير مبال وكأنه ما أنا بقارئ، كل ما يدور بمخيلتي هو مزاجي الذي عكره أحد المارة وما جعلني أضطر لتغيير قميصي زو الدبوس الفاخر والكارفات الأنيق وما يحملانه من عطر منعش.

جاءت النشرة رتيبة كالعادة، يتخللها أحداث عنف وشغب وتهديدات من حكومات لأخرى، وخبر لوفاة أحد الفنانين، وأكملت قراءتي لخبر لم أكن قد راجعته قبل الهواء: وفاة مواطن بالأسكندريه

المتوفى كان مطلوبا لتنفيذ حكمين بالحبس

المتوفى كان مطلوبا في قضيه تهرب من الخدمة العسكرية

والدة المتوفى تقول انه كان معتاد على تعاطي المخدرات

لم أتمالك نفسي مما قرأت فانقلب كل ما بمعدتي رافضا كل الأكاذيب التي نطق بها لساني متجنيا على مصري كان يمكن أن أكون مكانه، وحتى أن كان ما قرأته صحيحا، فلا يحق الاعتداء حتى على المجرمين قبل محاكمتهم ولا أثنائها ولا بعدها.

يا لي من إنسان تبلدت مشاعره من كثرة تناوله الأيس كريم، وأصبح يثير غصبي فقط خدش بسيط ألم بي وأنا أهذب زقني.

تداعت أمامي كل المثل ممزوجة بصورة الشاب وهو ممزق الأشلاء.

أي حيوانا عبث بفريسة لا يبقها هكذا، ولأي غرض؟ حتى حيوانات الغابة تصطاد لتعيش فقط, وليس للتلذذ بذل الآخرين.

ها هو قميصي أمزقه لتنثر دبابيسه بأنحاء الاستديو، وها هي الكارفات أشيح بها بوجه الكاميرا الكاذبة، ويا لها من رائحة العفونة التي اشتمها من بقايا قيئيي أكاذيبي.

.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

What’s this?

You are currently reading كارفات ودبوس وقزازة ريحه at Mostafa Sleem Art.

meta

%d مدونون معجبون بهذه: