زنبق

أبريل 3, 2010 § تعليق واحد


بعد فترة اكتئاب طويله أعتزلت فيها الناس، قررت خلالها أن لا أراهم، ولم أحب أن يراني أحد، عشت فيها بنوع آخر من التواصل، حيث معرفة الشخص الوحيد الذي لا أراه، التواصل الذاتي مع ما بداخلي من أفكار، وأحلام، وهواجس.

التعامل مع الذات يجلب بعد فتره نوع من الروتين اليومي الناتج عن التركيز على أشياء حتى لو كانت بسيطه وتافهه في نظر الآخرين، فالتعامل مع الذات لا يؤخذ في الإعتبار لرأي أي مخلوق آخر.

هناك من يعتادون على لبس خاتم بالإبهام، وآخرون على أكل فواكه بينما يتناولن الطعام المملح، ومنهم من يشرب القهوه مضاف إليها الشاي، والمدمنون، والفنانون، حتى اللصوص لهم عاداتهم الخاصه، والتي يقبض عليهم من خلالها، وبعضهم لا يفعل ذللك سهواً، بل يتعمد ذلك رغم علمه بالخطوره.

يالها من روح تلك تشعر الإنسان بكيانه ووجوده، فالأهم من العمل ذاته أن يحمل من روحك ولو البسيط من الأثر.

الزنبق…..كان هو عادتي الخاصه التي حرصت عليها، ولكني لم أضع معه أثر لي، بل كان الأثر هو ما طبعه هو علي.

لم أغرم فقط برائحة الزهور، ولا شكله البديع، ولم يكن لملمسه على خدودي تأثيراً قوياً بقوة تأثيره عندما قررت يوماً أن أتناول ما تبقى من الماء الذي كان يروى بها.

أعلم أن الماء لم يكن نقياً، بل كان محملاً برواسب مذاب فيها خلاصة ورق وقلب وعروق الزنبق.

أضفت ماء الزنبق لكل ما أتناوله من مأكلولات، ومشروبات، بل إلى ماء الاستحمام، ومع مسحوق الغسيل، بل كنت ألف سجائري بورق سبق أن غمر بماء الزنبق، وترك ليجف.

الكيمياء هي ما تعلمته خلال حياتي، ذلك ما جعلني الاحظ أن ورق السجائر يفقد لونه بغمره بالماء، والشاي يصبح كالماء.

تناولي لشراب الزنبق هذا جعلني أشعر بأن جسدي كله يكاد أن ينفجر مثل انفجار قنبله داخل المحيط، أي ينفجر إلى الداخل، فكانت لا تدق الساعه ألا وأنا أتناول شرابي هذا.

قررت أن أقطع عزلتي، أنزل إلى الشارع، أرى للحياة أي وجه آخر، فقد بدأت أشعر بشئ من الهذيان، بعض الوقت لا يكفي شعورك الداخلي لأن يخبرك بكل الحقيقه، رغم اعتياد كذب الآخرين عليك، ناهيك عن الجهل، بل رؤية أحدهم خاصة لو كان على درجه كبيره من الثقافه، ذلك ما يجعل رأيه يحمل من الثقافه كل معاني السذاجه.

حاولت التأنق، حجبت بنظارتي الشمسيه السوداء قدراً كبيراً من ما يمكن أن يرسل لي من موجات مختلفه من خليط أفراد الشارع.

بدأت أشعر بنوع من الإرتياح فلقد نجحت تلك النظاره فيما يبدو في جعل الأمور تسير بطريقه هادئه، لم يصوب أحدهم أي نظرات ولم يلوح أحدهم بيده تجاهي، ويطلب مني أحد الشحاذين أو معترضي الطريق بعربة إسعاف لتبرع الدم الإجباري.

ارتياحي ذلك لم يشغلني عن أن الماره فوق الرصيف لا يكترثون بوجودي على الإطلاق، فكنت أتفادى الزحام بلف جسدي يميناً ويساراً، بل وأقفز أحياناً حتى لا أصتدم بأحدهم.

بدأت أنزعج من هذا التصرف الجماعي الغير مبال بالمره بوجودي، نعم أني أردت ذلك وتمنيته كثيراً، لكن ليس إلى هذا الحد، فأعتبرته إهانه، فأنا كائن يستحق الإعتناء بكيانه مثلما أهتم بمن حولي.

فتوقفت لبرهه، أردت أن أعرف ما سيحدث في نهاية ذلك الحدث القصير جداً، هل سيكون الناس على ذلك القدر من عدم مراعاة شعوري، أم سينسحبون في آخر لحظه عند أعتراضي طريقهم؟

ها هو يتجه نحوي مسرعاً غير مبالٍ أيضاً……………..

يا له من وقح!!!!!!!

وأنت أيتها السيده الجميله؟

يالها من متعجرفه!!!

ها.. وأنت أيها العجوز المتثاقل؟

ما هذا؟!؟!؟!؟!

أليست هذه البقع البيضاء, وما تحملها من نقطة سوداء عيون يرون بها؟!؟!؟

ألهذا الحد وصل الناس إلى هذه الدرجه من اللا مبالاه، ليست فقط بشعور الآخرين، بل بوجودهم أيضاً؟!؟!؟!

لم أكن أهتم في السابق بذلك، بل وكنت اتمنى أن يتركني الناس وشؤني، جلست بقهوة لأستريح وأشرب كوب من الشاي، أنتظرت طويلاٍ ولم يأت أحد ليلبي طلباتي؟!؟!

ناديت على أحدهم وهو يمر بجانبي، فالتفت ناحيتي, ثم مضى في طريقه، ياللعجب!!!!!!!!
دخلت من الباب فتاة تحمل من الجمال ما يجعل أي رجل يتمنى ما هو مستحيل، وهو أن تجلس بنفس الطاوله التي يجلس هو عليها لتجاذبا أطراف الحديث، فألتفت إلي الطاولات المجاوره لأجدها جميعاً خاوية إلا من أثنين أو ثلاثه جلسوا متفرقين.

ياللهول!!!!! صور لي خيالي للحظه صورة من قال ليس كل ما يتمناه المرء يدركه على هيئة حمار.

نعم!!!! جلست على طاولتي وبالمقعد المواجهه لمقعدي، جلست بشكل طبيعي للغايه، وجعلت من كتابها عالم خاص يحتويها بعد أن أجرت اتصالاً هاتفياً لصديقها الذي تأخر عن موعده معها، وهاهو النادل خُلق لينصت لما تأمره به، تأملت الموقف باستغراب شديد بينما ذهب النادل ليلبي طلباتها.

أيعقل أن تتحقق الأمنيات بهذه الطريقه، أتمنى جلوس جميله على طاولتي تأتي لتجلس أمامي، وأتمنى ترك الناس لشئوني فلا يكترثون بوجودي تماماً.

جاء الشخص الذي تنتظره الفتاه وتبادلا التحيه، وطلبت منه الجلوس مشيرة لمقعدي، فجلس بالفعل، ثم قفز عندما أحس بوجودي، وتنحيت بدوري عن المقعد!!!!!

ألا يراني ذلك المتحزلق؟!؟!؟!

أرتسمت على وجهها ووجه من بالمكان الدهشه لحركته المفاجأه الغريبه تلك، وما أحدثه تحرك المقعد والطاوله من جلبة في هدوء ذلك المكان.

لم ينظر هذا الشخص تجاهي، بل جعل يتفحص المقعد في دهشه شديده، قالت له صديقته ماذا بك؟ فأجابها بأنه أحس بوجود شخص على المقعد عند جلوسه عليه!!!!

أندهشت هي الأخرى بدورها وقالت له مستهذئه وهي تبتسم: اجلس، فلم يكن يجلس معها أحد، وأنها لم ترى أحد على المقعد أثناء جلوسه عليه!!!

ذلك ما جعلني أصرخ بكل الحاضريين آلا تروني؟!؟!؟!؟!؟!؟

الآن أدركت أن الأمر لم يكن مجرد تجاهل شعوري بيبني وبين من حولي، الأمر الآن مادي تماماً.

صراخي ذلك أفرغ المكان ممن فيه، يتخبطون من الصوت القادم لهم من الفراغ…………..

يتبع

مصطفى سليم

Advertisements

§ One Response to زنبق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

What’s this?

You are currently reading زنبق at Mostafa Sleem Art.

meta

%d مدونون معجبون بهذه: